آخر الأخبار

الرأي الآخر

هل ستحظر فرنسا على التونسيين السفر إلى إسطنبول؟

18:00

إذا طرحنا سؤالا عابرا حول ما يمكن أن يجمع بلدا مثل تونس بآخر مثل ايران فكل ما سنظفر به على الأرجح هو أن معظم الناس سيتفقون على أن العنصر الوحيد الذي يمكن أن يجمع بينهما هو الإسلام.
أما أكثر من ذلك فإنه سيكون صعبا أن يعثر احد بسهولة على قاسم مشترك اخر بين الدولتين، لا من حيث التاريخ ولا الجغرافيا ولا حتى الديموغرافيا. ولكن الامر يختلف قليلا بالنسبة لرئيس الوزراء الفرنسي السابق والمرشح الرئاسي القادم مانوال فالس، بعد أن اكتشف نقطة التقاء فريدة بين البلدين، لم ينتبه لها أحد من قبله وهي الاستبداد والتسلط الديني. فقد اعلن في سياق مناظرة جمعته باحدى السيدات المحجبات وبثت على القناة الثانية للتلفزيون الفرنسي، أن ايران وتونس تفرضان الحجاب على النساء. وقال متحدثا عن موقفه من اللباس الإسلامي انه «ليس ضد الحجاب كموروث ثقافي، ولكن ضد استعماله لغايات سياسية».
وبالطبع لم يكن الربط بين تونس وايران والحديث عن معاناة النساء، خصوصا في تونس من الحجاب المفروض عليهن، من قبيل السقطات العفوية أو الاخطاء العابرة، بل كان مقصودا ومخططا بعناية. ففالس كان يعي جيدا ما يقول وكان يعرف أن حديثه عن اضطهاد النساء في تونس بإجبارهن على ارتداء الحجاب سوف يثير موجة من السخرية، حتى في اكثر الاوساط النسوية تشددا وحرصا على الدفاع عن حقوق المرأة، ولكنه صمم على مواصلة خط السير الصدامي مع ما اطلق عليه قبل اكثر من ثلاث سنوات من الآن حينما كان وزيرا للداخلية صفة « الاسلام الراديكالي» في تونس.
وبغض النظر عما اذا كانت الحسابات السياسية الداخلية هي الدافع الأكبر وراء اختراع قصة الاضطهاد النسوي التي لا يصدقها كل من يعرف تونس، ولو معرفة سطحية، فان التصريح الشاذ والغريب يعكس حالة من التخبط والارتباك تسود قسما واسعا من الطبقة السياسية الفرنسية على اختلاف ألوانها، حول طريقة التعامل مع الجالية المسلمة داخل فرنسا، وتضارب التصورات حول حجم الدور الفرنسي المرتقب في الشمال الافريقي بوجه عام، على ضوء المتغيرات الاقليمية والدولية، خصوصا مع تزايد المؤشرات على أن النفوذ التقليدي لباريس في دول مثل تونس بات يصطدم بتحديات ومعوقات لم تكن موجودة بشكل واضح وقوي قبل عقود من الآن، بفعل ما شهدته السنوات الاخيرة من تطورات تمثلت بالاساس في دخول قوى واطراف اخرى على الخط، من بينها امريكا والمانيا وتركيا، وخوضها جميعا ما يشبه المنافسة الصامتة مع الفرنسيين في التأثير على السياسات والقرارات المحلية، بشكل سحب من باريس لقب اللاعب الوحيد والمتحكم الاوحد في قواعد اللعبة في ذلك الجزء من العالم. ولكن لماذا تثار تلك المخاوف الان بالذات، وما الجديد الذي يدفع الفرنسيين عدا التصريح المستفز لفالس الى شن هجمة اعلامية ضارية على المستعمرة السابقة التي ساندوا حكامها المستبدين على مدى ستين عاما، ثم لم يفوتوا بعد ذلك فرصة التهليل لتجربتها الديمقراطية الفريدة، بالتماهي في ترويج تهم خيالية وواهية في حقها، من قبيل انها باتت تفرخ الارهابيين، أو أنها في الطريق نحو الصوملة مثلما كتبت صحيفة «لوفيغارو» قبل ايام قبل الخروج بنكتة فرض الحجاب؟
هل أن ما يجري مجرد صراع داخلي يسبق الانتخابات الرئاسية المقررة ربيع هذا العام، حشرت فيه تونس وايران من باب المزايدة لا غير؟ أم انه اشارة لا تخطئها العين على أن صبر باريس قد بدأ ينفد، وانها باتت تخشى أن تخرج الامور من تحت سيطرتها؟ لعل المشهد الذي جرى قبل ايام في مطار قرطاج يعكس جانبا من الصورة، فقد وصل السفير الفرنسي الى المطار ليحضر وصول جثماني الزوجين التونسيين اللذين قتلا ليلة رأس السنة في حادثة الملهى الليلى بإسطنبول. وكان السبب الرسمي أن الزوجة الراحلة كانت تحمل جنسية مزدوجة فهي تونسية وفرنسية في الوقت نفسه ما يعني أن «فرنسا ستتكفل بالرضيعة التي تركتها حتى تصبح مسؤولة عن نفسها» حسبما اكدته كاتبة الدولة الفرنسية المكلفة بمساعدة الضحايا جولييت ميدال، وجدد السفير أوليفي بوافر دارفور التذكير به أمام الصحافيين. ورغم أن السفير التركي الجديد كان حاضرا بدوره في المطار وقرأ الفاتحة على روح الضحيتين لحظة وصول جثمانهما، إلا أن ظهوره الى جانب نظيره الفرنسي في تلك المناسبة بالذات، أعاد الجدل في تونس حول الدور التركي في البلد، وحول ما اذا كان الاتراك بصدد دفع ثمن تساهلهم في وقت سابق مع الارهابيين التونسيين الذين التحقوا بسوريا. وباستثناء الادانة الرسمية للحادث لم يخرج احد في تونس للتضامن مع إسطنبول ولم توضع باقة ورد واحدة امام مبنى السفارة التركية فيها، بل نزلت سيول من الاتهامات حول ضلوع الاتراك بشكل مباشر أو غير مباشر في تفاقم موجة الارهاب وتمددها شرقا وغربا، وانتقل الامر الى ابعد من ذك بحديث البعض عن ضرورة مراجعة الاتفاقيات التجارية الظالمة وغير المتكافئة معها. ‘ن سقوط الضحيتين التونسيتين في إسطنبول فتح الاعين مجددا على ما بات جزء واسع من الاعلام المحلي يطلق عليه شره السلطان العثماني واطماعه في بلد كان فيما مضى منطقة تتبع الامبراطورية العثمانية، لكن تتمتع في الوقت نفسه باستقلال نسبي عنها. ووجد أحد المعلقين على فضائية خاصة الفرصة مناسبة لدعوة تركيا الى فرض تأشيرة على التونسيين «حتى يتوقفوا عن التبضع المجنون منها» كما قال ويسهل ايضا معرفة الارهابيين العابرين منها الى دول ومناطق اخرى، مشيرا من ناحية اخرى الى أن تركيا بصدد نهب الاقتصاد التونسي. ورغم انه لم يمض على استلام عمر فاروق دوغان منصبه سفيرا لتركيا في تونس سوى اسابيع قليلة فقط، إلا انه حاول الرد على بعض تلك التهم في حوار اجرته معه اذاعة شمس المحلية مصرحا بان «بلدا يحارب الارهاب منذ ثلاثين عاما وسقط فيه ثلاثون الفا ضحايا للارهاب لا يمكن أن يدعم أو يسهل عمل الارهاببين»، ولكن الامر لم يكن مرتبطا فقط بمدى قدرة الدبلوماسي على اقناع النخب الفكرية والاعلامية المحلية برجاحة حججه وثباتها بل بقوة الاوراق التي يملكها في مواجهة ارتباط قسري قديم بين الفرنسيين والتونسيين صار يحول دون القيام باي قراءة موضوعية أو عقلية للاحداث والمواقف خارج المدار الباريسي أو بعيدا عن دائرة نفوذه.
العقدة الفرنسية كانت ولا تزال حاضرة بقوة وبشكل يفوق حتى توقعات الفرنسيين انفسهم. ولانها ترسخت على مدى عقود في كل دوائر الثقافة والاعلام والتعليم فقد صار من الصعب على التونسيين أن يشاهدوا الصورة من جميع جوانبها وان يدققوا مليا في الفرق بين ضحايا الارهاب في باريس وضحاياه في إسطنبول وغيرها ويعرفوا العدو من الصديق والمحتل من المتعاون. ولاجل ذلك فهم يستمرون في العيش في نوع من الانفصام الحاد بين انبهارهم بتركيا واعجابهم بكل شيء فيها، بدءا بالمسلسلات وانتهاء بالاسواق والمتاحف والهدايا من جانب، وخوفهم منها ومن حكامها المستبدين الذين يتصرفون كسلاطين ويريدون استعادة النفوذ العثماني، والاهم من ذلك السيطرة على القرار الوطني التونسي والتسريع في اسلمة البلد واخونته. لكن هل حركت تركيا اساطيلها نحو الشواطئ التونسية؟ هل فكرت بالسيطرة على التعليم والثقافة والاقتصاد وحتى الرياضة؟ وهل كتب سفيرها المعتمد في تونس على صفحته الشخصية في فيسبوك بانه يدعو كل شاب تونسي لديه طلب أو مشكل أن يكتب له طلبا ويوجهه للسفارة، مثلما فعل السفير الفرنسي قبل ايام، حتى يحذر منها التونسيون ويستعدون للتصدي لها ومواجهة هيمنتها؟
انها على العكس صمتت وظلت تتجاهل الاتهامات التونسية والدعوات الصبيانية لمقاطعتها، وكأنها هي التي ستتأثر بها في حال ما إذا فكر التونسيون جديا بذلك، ولم تشن وسائل اعلامها اي هجوم، لا على الحكومة ولا على المعارضين لها. وفي المقابل فان البلد الصغير صار يستجدي السياح الفرنسيين، ويقف ممتنا لشهادة السفير الفرنسي بانه مكان يستحق أن يزوره الاوروبيون ولا يستنكر بالمقابل الهجومات العنيفة التي تشنها عليه الصحافة الفرنسية والاوروبية. المفارقة السريالية هو أن فرنسا تستعد لغلق ابوابها في وجه التونسيين، تحت مبررات امنية بحتة، فيما لاتزال تركيا رغم كل ما لحقها من تفجيرات واحداث تستقبلهم بحفاوة وكرامة. ربما كان تصرف الفرنسيين مع الرضيع التونسي الذي تركه ابواه بعد أن لقيا حتفهما في إسطنبول نسخة معدلة من تصرفهم مع تونس التي لازالوا يعتبرونها جزءا من الامبراطورية. ولكن الى اين يمكن أن يقودهم ذلك التصرف؟ وهل سيؤثر بشكل ملحوظ على علاقات تونس بانقرة ويحد من الدور التركي فيها؟ أم أن مثل تلك الاماني والدعوات الفرنسية المبطنة لمقاطعة سفر التونسيين الى تركيا سوف ترتد سريعا على اصحابها؟ لا شك أن فرنسا تملك اكثر من وسيلة للضغط والتأثير، ولكن تونس الصغيرة تملك ايضا مجالا للمناورة. وقد لا يكون صعبا أو مستحيلا أن تفاجئ مستعمرتها السابقة يوما وتثبت لها انها بالفعل قد تشبه ايران لكن ليس في فرض الحجاب بل في اشياء اخرى اكثر اهمية.

نزار بولحية

كاتب وصحافي من تونس

عن القدس العربي


آخر الأخبار


nos sponsors