آخر الأخبار

الرأي الآخر

إحراجات علاقة النص باللّص …عبد اللطيف الهذيلي

18:00

” كلّما إزداد نصّ إزداد لصّ ” هكذا قيل ، و القول يُنسب لأستاذ في القانون الدستوري ذاع صيتُه في أيّامنا هذه ، قول ورد في سياق ردّه على مقترح يُنادي بتطوير التشريعات القانونيّة لمكافحة الفساد .اللاّفت للإنتباه حقّا أنّ القول أصبح مأثورا ، كرّره الأنصار ، تباهى به الأخيار ، و رأوا فيه شرارة وعي و علامة إنتصار ، على الفاسدين من الأشرار ، و لكنّني آثرت التحريّ و التدقيق ، بدل الحماسة في التعليق ، علّي أستنطق مضامين و ضمنيات هذه العلاقة التناسبيّة بين تشريع النصوص القانونيّة و تناسل الظاهرة اللّصوصيّة ، و بإعتبار أنّ القول ورد في صيغة تعميميّة ، وقفت على إحراجات عصيّة ، منها :                   * إذا إفترضنا العيب في النص بما يعني أنّ المشرّع صاغ النص على نحو يُشجّع فيه اللّصوصيّة أو يحميها على الأقلّ ، في هذه الحالة فإنّ السلطة التشريعيّة هي موضوع إتهام ، و هذا أمر مرفوض مبدئيّا و أخلاقيّا ، إذ كيف للشعب صاحب السيادة أن ينتخب نوّابا لسنّ قوانين تحمي سرّاق قوتهم و مورد رزقهم ؟ و هذا ما يتعارض مع أبجديات الديمقراطيّة.    

* إذا نزّهنا النص و تمثّلنا اللّصوصيّة في التحيّل على القانون ، في تأويله و تطويعه و إستثمار ثغراته أو قدمه أو عموميّته ، هذه الحالة لا يتقنها إلاّ عارف به مطّلع على فصوله و تنقيحاته و تعقيداته ، و هنا توجّه أصابع الإتّهام إلى المحامي ، و هذا أمر مرفوض مبدئيّا و أخلاقيّا ، فضلا عن مواجهة قطاع بأكمله . * أمّا إذا قلّبنا الأمر من جهة إنفاذ القانون فنجد أنفسنا أمام إحراجات إتهام باحث البداية أو قاضي الجلسة و هذا بدوره مرفوض مبدئيّا و أخلاقيّا فإذا “غاب العدل حلّ الخراب ” .                                                                       * أمّا الإحراج الأكثر حدّة فذاك المتعلّق بمؤسسة رئاسة الجمهورية إذ من مشمولاتها القيام بمبادرات تشريعيّة فهل علينا أن نتظنّن على مبادراتها و نفترض إتّهامها بما إتهمنا به سابقاتها ؟، هذه الإمكانيّة مرفوضة بدورها مبدئيّا و أخلاقيّا ..                                                    بقي أن نقول : إنّ عبارة ” كلّما إزداد نصّ إزداد لصّ ” لا تستقيم مبنى و معنى و لم تكن سليلة  ” حالة وعي ” كما يدّعي المتحمّسون و المهلّلون من الأنصار ،بل قد تفتح جبهات و خصومات مع عديد القطاعات ، و قد تزرع نزاعات و تغذّي مشاحنات نحن في غنى عنها و لم قادرين على تحمّل أوزارها و تداعياتها ، العبارة في تقديري مجرّد خاطرة لغويّة أملاها الإرتجال و التعميم المتسرّع  و الإنهمام بالشكل على حساب المضمون دون تدقيق أو تمحيص ، ثمّ إنّ العبارة في حاجة إلى تقويم لغوي كذلك ،لأنّ فعل ” إزداد ” فعل خماسي متعدّ و ما بعده يأتي منصوباكأن نقول   “كلّما إزداد علما بربّه و معرفة به ، إزداد منه خشية و محبّة و إزداد له إنكسارا ” و الصواب هو أن نقول ” كلّما إزددنا تشريعا للنصوص ، إزددنا حصانة من اللّصوص ” و العلاقة التناسبيّة تظلّ نسبيّة بالضرورة ،إذ لا قيمة لترسانة قوانين دون إنفاذو لا قيمة للإنفاذ دون مساواة في التنازل أمام سلطة القانون كما يؤكّد ج. ج. روسو ،و لا قيمة لقوانين لا تستجيب لمتطلّبات الوضع و اللّحظة ، نقول هذا  دون أن نكون في غفلة عن قابليّة النصوصللتأويل و إمكانيّة التطويع للمصالح الضيّقة ، و قديما قيل ” سُنّ القانون ليُنتهك ” . 

           * عبد اللّطيف الهذيلي *


آخر الأخبار


nos sponsors