آخر الأخبار

الرأي الآخر

إن الدين للجميع ولا يحقّ للإخوان أن يحتكروه لصالحهم بقلم رشيد الكراي

19:15

يميل الناس في مجتمعاتنا العربية ، ويشتد لديهم الميل، إلى أنْ يَزِنوا كل أقوالهم وأفعالهم وتصرُّفاتهم كافة بميزان “الحلال والحرام”. حتى في “السياسة”، وفي الانتخابات النيابية وغير النيابية ، يَسْتَفْتون “قلوبهم الدينية”، فتأتي “النتائج” على هيئة ريح تجري بما تشتهي سفينة أو سفن، “الإسلام السياسي”، وفي مقدَّمتها جماعات الإخوان المسلمين على مختلف تسمياتهم القُطرية ..
وهذا يعني أنَّ الخيار السياسي والانتخابي الأسهل والذي تُرَجَحُ فيه كفَّة “الحلال” على كفَّة “الحرام” لدى كثير من الناس في مجتمعنا هو موالاة أحزاب “الإسلام السياسي”، والتصويت في الانتخابات لمصلحة مرشَّحيها ، ولقد تأكَّدتُ ذلك بنفسي غير مرَّة، وسمعتُ كثيراً من الناخبين يقولون، بعد إدلائهم بأصواتهم ، وهٌمْ “مرتاحو الضمير الديني، “يكفي أنَّ هذا المرشَّح إسلامي” ، وكفى الله المؤمنين شرور التفكير والتمحيص والتدقيق وكل جهد يمكنهم وينبغي لهم بذله توصُّلاً إلى تمييز “الغثِّ” من “السمين”، و”النقد المزوَّر” من “النقد الحقيقي!
وهذا الالتباس والاختلاط لدى كثير من الناس هو ما غذَّى ظاهرة “الانتهازية السياسية” لدى جماعات “الإخوان المسلمين”، وسائر أحزاب “الإسلام السياسي”، فالأمر -والذي هو اكتساب النفوذ السياسي-، ومزيد منه لا يحتاج إلى حزب يجتهد في كسب مؤيِّدين له كَسْباً سياسياً صرفاً؛ ويكفي أنْ يكون شعاره “الإسلام هو الحل” حتى “يَسْمَن” سياسياً وشعبياً وبرلمانياً، ويزداد “سمنة!
وطالما زاولوا “الإرهاب الفكري” ، فهُم لا يتورَّعون عن “تكفير” معارضيهم، مصوِّرين “الكفر السياسي” بهم، وبأحزابهم، وببرامجهم، وبخطابهم، على أنَّه “كُفْرٌ”، و”مروق من الدين”؛ وكأنَّ “الحزب الديني” هو “الدين” نفسه!
حتى “الديمقراطية” ناصبوها العداء زمناً طويلاً، ثمَّ تصالحوا معها وهادنوها إذ اكتشفوا أنَّها “الانتخابات” فحسب ، متناسين أنها آلية فقط من آليات الديمقراطية، ومن ثمّة اقتنعوا أن هذه “الانتخابات” تَصْلُح أو قد تَصْلُح لاتِّخاذها طريقاً إلى السلطة ، أمَّا “الاحتفاظ بالسلطة” فيمكن أنْ يَشُقُّوا له طريقاً أخرى، وإنْ ظلَّت مزدانة بـ “صناديق الاقتراع”، فيتكلَّل سعيهم أخيراً بولادة نظام حكم تَجْتَمِع فيه شكلاً ومضموناً ، كل أشكال الدكتاتورية والاستبداد في أحلك مظاهرها كما عشناها في تونس زمن ما سمّي بالترويكا ..
وحتى لا تنطلي على الكثيرين حيل ما يروّج له أباطرة أحزاب الإسلام السياسي من تشبيه بينهم وبين الأحزاب الدينية الأوروبية ، يجدر التنبه بأن أحزاب جماعات الإخوان المسلمين تختلف كلياً عن الأحزاب الديمقراطية المسيحية في ألمانيا وعموم أوروبا. فالغنوشي ليس أنجيلا ميركل ولن يكون! فهذه الأحزاب الأوروبية المتطورة هضمت منجزات الحداثة الفكرية وتخلت عن التكفير والتعصب الطائفي منذ زمن طويل ، ولا تأخذ من الدين إلا روحانيته وقيمه الأخلاقية ، ولا تهدد إطلاقاً حرية المعتقد والضمير لأي شخص ، وتعترف صراحة بمشروعية التعددية الدينية والفكرية داخل المجتمع ، ولا تحاول أن تفرض عقيدتها بالقوة على الآخرين ، ولا تنظر اليهم شزرا على أساس أنهم غير مؤمنين أو غير متدينين ، ولا ترهبهم بشكل ضمني من تحت لتحت ، ولا تروّج لنفسها في الانتخابات بين حشود المصلّين في الكنائس أيام الآحاد ..
إن الدين للجميع وفوق الجميع ولا يحق لأي فئة كائنة من كانت أن تحتكره لصالحها وتضرب بسيفه وتربح الانتخابات كما تفعل جماعات الإسلام السياسي وبالأخص الإخوان المسلمين ، فالدين لله والوطن للجميع ، ولا يحق لأحد أن يعتبر نفسه فوق الآخرين لأنه ينتمي حزبياً إلى الجماعات المتأسلمة وهم لا ينتمون. بمعنى آخر لا يحق لأحد أن يعتبر نفسه مسلماً أكثر من الآخرين ، وبالتالي فليكف هؤلاء المتأسلمون عن غطرستهم وعدوانيتهم ، ليكفوا عن تلويث طهارة الدين بمناوراتهم ومخاتلاتهم السياسية ..



nos sponsors