آخر الأخبار

الرأي الآخر

التحرش الجنسي في صفاقس: هل انكسر حاجز الخوف؟؟

19:00

التحرش الجنسي.. وقع الكلمة فقط يكفي ليعبر عن جسامة الفعل.. ظاهرة هزت كيان المجتمع التونسي وهددت استقرار العائلات ونشرت الخوف في قلوب الناس.. انتشار التحرش اصبح في نسق تصاعدي.. يضرب بلا هوادة.. فتيات.. قصَر.. نساء حتى المسنات منهم.. أطفال إناثا وذكورا.. وحوش آدمية تخرج ما فيها من عقد وكبت وحيوانية لتمارسها على من حولها..

التحرش كان في السابق تصرفا سريا يمارسه أصحابه في الأزقة الخالية, الأماكن المظلمة أو المغلقة.. أما اليوم فبات يمارس في كل مكان.. في الشارع, في الحافلات, في العمل, في المؤسسات التربوية, ليلا نهارا, وكأن حاجز الخوف انكسر..

إلتقينا عددا من الفتيات اللاتي أكدن أنهن تعرضن للتحرش بأنواعه.. فمنهن من تعرضت له داخل وسائل النقل العمومي أين تكون الحافلات مكتظة ليصل الأمر إلى حد اللمس أحيانا.. وأخرى ذاقت الأمرَين في الشوارع وعلى مرأى ومسمع من الجميع في ظل صمت رهيب من الحاضرين.. نذهب الآن للأسوء ألا وهو تبرير التحرش بأسباب واهية لأنه حينها سيجد مشروعية في قلوب البعض.. حيث قالت لنا إحدى المتضررات أنها عندما تتعرض للتحرش تسمع كلاما في الشارع من قبيل “كان عينها ما لبستش هكك” و”هيا الغالطة” وغيرها من العباراة الركيكة التي يرتقي قائلها لمستوى المشارك في الجرم..

والسؤال المطروح الآن لماذا وإلى متى؟؟

هذا ويرى الباحث في علم الاجتماع معاذ بن نصير ان هنالك عدة اسباب وراء تنامي هذه الاحداث و خاصة المتعلقة بالتحرش الجنسي و هذا يعود إلى ارتفاع معدلات و نسب الكبت النفسي و الجنسي لدى فئة هامة من المجتمع التونسي الذي عاش في فترات معينة من عمره على صورة ضبابية حول الجنس الاخر ففي التنشئة الاجتماعية لبعض ربوع البلاد التونسية نصنع من الانثى ذلك الغريب الدي لا يمكن اكتشافه الا بعد فترة الزواج و هذا ما يخلق الكبت والضغط الجنسي الذي يجد مبتغاه في اول فريسة تعترضه. و يختار المتحرش أو المغتصب ضحيته باحكام حيث يكون اصغر منه سنا (طفل او مراهق) كما له سلطة مباشرة عليه اما عائلية أو مجتمعية عموما و لذا سيُخضعه لجبروته و لشهواته الجنسية. كما يؤكد بن نصير آن هذا السلوك اما قد يكون مكتسب بطريقة عمودية من احد افراد العائلة او بطريقة افقية من خلال الأصدقاء و الاتراب و بعض الحالات قد يكون المتحرش هو ضحية في سنوات تلت و من هنا يصنع نوع من النقمة و يتخذ اعادة استحضار تلك الصور في مرحلة عمرية. و تلعب الافلام الإباحية دورا في تبلور هذه الظاهرة من خلال بعض الافلام التي تروج لمثل هذه الممارسات و تضيف لها اثارات صوتية و صورية، فالقائم بالفعل او الجريمة قد يكون مدمنا على هذه الافلام. و يعتبر بن نصير ان العامل الاقتصادي له سببا رئيسيا في تنامي هذه الظاهرة فبارتفاع نسب الفقر و البطالة و صعوبة الزواج قد يحبذ البعض بحثه عن انشاء علاقات جنسية خارج الاطار المدني القانوني. لذا يرى الباحث في علم الاجتماع معاذ بن نصير ان المسؤولية تقع على عاتق الجميع بدءاً بمؤسسات الدولة من خلال زرع مختصين من علم النفس و الإجتماع داخل المؤسسات التربوية من اجل الاحاطة النفسية و الاجتماعية بالناشئة و بالأخص العملية الاستباقية و اكثشاف الحالات التي قد تتعرض للتحرش و الاغتصاب خاصة من قبل أفراد الأسرة بدرجة اولى، اضافة الى القيام بحملات توعية من قبل المجتمع المدني، و ايلاء هذا الموضوع الدرجة القصوى من الاهمية اعلاميا، و كذلك ادراج مادة علم اجتماع الجنس في المناهج و البرامج التعليمية و التربوية. هذه الازمة الاخلاقية ستلقي بظلالها على النسيج الاجتماعي ككل، فأصبحنا اليوم نعيش حالة خوف و شك ورهبة من بعض مؤسسات الدولة التي كانت فالسابق القريب هي المأمن والملاذ للراحة النفسية والاجتماعية للطفل والمراهق والشاب. فولاية صفاقس مثلا تميزت على مر عقود بنمط استقرار مجتمعي لا مثيل له أصبحت فالفترة الاخيرة تعيش على وقع رجات و ظواهر اجتماعية غريبة على نسيجه. المشكل الأساسي متمثل في ان من تعرض لتحرش جنسي في طفولته سيعيش بقية حياته على وطأة تلك الحادثة و سيؤثر على نفسيته وسلوكياته وقليل من سيتجاوز تلك المحنة والبعض سيعيد انتاج ما عاشه فالسابق بين دور الضحية والجاني و لكن الشخص هو نفسه. كذلك مجتمعيا هل سيستطيع الرجوع الى نسق حياته اليومية، مع الاخذ بعين الاعتبار ان الحكم المجتمعي اقسى من الحكم القضائي ويجد نفسه منبوذ عن المجموعة ككل ولن يقدر على التعايش والتأقلم من جديد حتى ولو كان هو الضحية حسب ما أفاد به الباحث في علم الإجتماع معاذ بن نصير.

من الناحية القانونية الآن أفادت الأستاذ غادة الجمل أن جريمة التحرش الجنسي ينظمها الفصل 226 ثالثا جديد من القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المؤرخ في 11 اوت 2017 و يتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة. وينص هذا الفصل على أنه: يعاقب بالسجن مدة عامين و بخطية قدرها خمسة آلاف دينار مرتكب التحرش الجنسي. و يعتبر تحرشا جنسيا كل اعتداء على الغير بالأفعال او الاشارات او الاقوال تتضمن ايحاءات جنسية تنال من كرامته او تخدش حياءه و ذلك بغاية حمله على الاستجابة لرغبات المعتدي او رغبات غيره الجنسية أو بممارسة ضغط خطير عليه من شأنها إضعاف قدرته على التصدي لتلك الضغوط. علما و ان هذه العقوبة تضاعف في جملة من الصور هي التالية: – اذا كانت الضحية طفلا, اذا كان الفاعل من أصول أو فروع الضحية من أي طبقة أوإذا كانت للفاعل سلطة على الضحية او استغل نفوذ وظيفه.

كما أكدت الأستاذة غادة الجمل أن هناك جملة من المعايير التي لا بد ان تتوفر للحديث عن جريمة التحرش الجنسي إذ تقوم الجريمة على ” تكرار ” ، ( و هو أول معيار فالجريمة لا تقوم بمجرد إتيان فعل عفوي او عرضي ) الجاني لجملة من الأفعال او الأقوال أو حتى الايحاءات، ( و هو المعيار الثاني )، الغاية منه إجبار الضحية على الاستجابة لرغبات الفاعل الجنسية أو حتى رغبات الغير، ( و هذا هو المعيار الثالث المتعلق بالغاية او القصد ) وذلك عن طريق إضعاف إرادة الضحية واستنزافها عبر الضغط و التكرار. وهنا تجدر الملاحظة بأن جريمة التحرش الجنسي لا تفترض اعتداءا مباشرا على جسم الضحية بل تهدف تحديدا للوصول لتحقيق رغبات جنسية للفاعل. فاللمس و التلمس يجعلنا ندخل في نطاق جريمة أخرى هي جريمة الاعتداء بالفاحشة ( التي ينظمها الفصل 228 من المجلة الجزائية ). و تجدر الملاحظة إلى أن جريمة التحرش الجنسي لا بجري التتبع فيها إلا بطلب من النيابة العمومية، وذلك بناءا على شكاية المتضرر، وهو ما نصت عليه الفقرة الثانية من الفصل 226 رابعا من المجلة الجزائية ( المضاف بالقانون عدد 73 لسنة 2004 المؤرخ في 2 اوت 2004 ).

في الختام جريمة التحرش الجنسي تعتبر من أخطر الظواهر التي تنخر المجتمع التونسي لما فيها من تأثير سلبي على العائلة ومحيطها سواء بالنسبة للفاعل عند كشفه أو للمفعول به لحظة وقوع الفعل أو حتى عند التبليغ إذا أخذنا بعين الإعتبار النظرة السلبية للمجتمع لمن تعرض للتحرش.

تحقيق: محمد خليل بن صالح



nos sponsors