آخر الأخبار

الرأي الآخر

بين حرية الاعتراض ، وحرية الفوضى … بقلم : رشيد الكرّاي

18:15

طرقات مغلقة ، مؤسسات موصدة ، نشاط فسفاطي معطّل منذ سنوات بل بات العمل في مناجمه ومغاسله هو الاستثناء والقاعدة هو الإضراب أو منع العمل على العاملين به ، إضرابات لا نهاية لها في كل القطاعات آخرها ذلك الذي شنّه طيّارو شركة الخطوط التونسية المهدّدة بالإفلاس والتلاشي ، اعتصامات في مقرّات السيادة بينها من يقوم به صفوة المجتمع الأستاذة الجامعيون ، مشهد سوداوي قاتم تحوّل إلى المادة الإخبارية الأولى لكل وسائل الإعلام مكتوبة ومسموعة ومرئية ، حتى بدا الأمر وكأنه مظاهر عادية تصالح معها التونسيون في لاوعيهم بعد أن كاد وعيهم أن يموت أو قل هو مات بالفعل عند الكثير منهم نخبة وعامة .

أيّ مسمّيات يمكن أن نصف به هذا المشهد الوطني الدرامي الذي أصبح عليه التونسيون غير غياب الحسّ المدني وضعف الانتماء الوطني ومعاداة الدولة ومؤسساتها وقوانينها . نعم ما نحيا على وقعه منذ سنوات ، لا تفسير له سوى ترهّل مفهوم الوطنية لدى التونسي وتلاشي مشاعر الانتماء لدولته الوطنية التي بناها الأجداد والآباء بالدماء والعرق والتضحيات الجسام .

المصيبة أن ما يحدث من ضرب بالسكاكين والسّيوف بل وبكل أشكال أسلحة الدمار الشامل في جسم الدولة يمارس باسم الحرية ، حرية التعبير عن الرأي المخالف ، وحرية الاحتجاج على قرار أو إجراء اتخذته الحكومة أو السلطات الرسمية ، وحرية مطالبة الحكومة ببعض الاستحقاقات ، وهي حرية عند الكثيرين لا حدود ولا ضوابط لها حتى وإن جلبت الفوضى والخراب

والمتابع لما يجري على الساحة التونسية منذ بدء لفحات الربيع العربي يلاحظ أن مساحة الحرية زادت بشكل لافت جدا حيث أصبحنا نشاهد كل يوم مسيرة أو اعتصام أو إضراب ، بل لم تخل مسيرات تطالب بالإصلاح السياسي والاقتصادي بمزيد من الحرية فهل هناك حرية أكثر من ذلك ؟

ومع ذلك يبدو أن البعض قد تمادى في استعمال الحرية إلى الحد الذي أصبحنا نشاهد فوضى عارمة تنذر نهايتها بخراب ودمار على الوطن والمواطن ، لان الحرية لا تحميها إلا المسؤولية ، والالتزام بالمسؤولية ضرورة وطنيه للدولة والمجتمع ومن يريد أن ينعم بالحرية في السلطة والمجتمع فعليه أن يلتزم بالمسؤولية الصارمة وإلا فان الفوضى قادمة.

للحرية حدود واضحة المعالم ويجب أن تكون خاضعة للقوانين والترتيبات الجاري بها العمل ، وليس الخروج عنها حتى نصل إلى ما يسمى بشريعة الغاب ، القوي يأكل الضعيف والتهديد المستمر للدولة لدفعها إلى تغيير قرارها الرفع من أسعار المحروقات بإغلاق الطرق والشوارع الرئيسية في العاصمة وفي أغلب مدن البلاد كما يحدث هذه الأيام ، بل هناك من المطالب ما هو تعجيزي ومخالف للقوانين والأنظمة وضياع لحقوق الآخرين حيث تصبح الدولة في وضع لا تحسد عليه ، فإما أن تستجيب لهذه المطالب خوفا من حدوث احتكاك مع رجال الأمن ، أو لا تستجيب على اعتبار أن المطالب غير مشروعة في كثير من الأحيان وبالتالي حدوث المواجهة بين المواطنين ورجال الأمن ، لتصبح الحكومة بعدها في وضع اتهام وأنها تستهدف الشعب والحريات العامة وتمارس القمع ، والمصيبة الكبرى قيام بعض الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني المتربصين لأي خطأ تقع فيه الحكومة لشن هجومها الكاسح واتهامها بممارسة القمع والإرهاب على المواطنين تنفيذا لأجنداتهم الخاصة التي تجد لها الصدى لدى الدوائر العالمية الخاصة بالسمسرة والاستثمار في حقوق الإنسان

بين الحرية والفوضى شعرة اسمها المسؤولية ، وكل حرية بلا مسؤولية تنقلب إلى فوضى ، والحرية تبني والفوضى تهدم ومن حق أي إنسان أن يناضل ويكافح لكي يحصل على الحرية فإذا حصل عليها ، فقد حصل على أهم حقوقه وأغلى أمانيه وحينئذ يصبح من واجبه أن يصونها ويحافظ عليها ولا يفرط فيها لكي تترسخ وتستمر ، والضمانة الوحيدة لدوام الحرية هي المسؤولية ، فإذا حرص المواطن أي مواطن على أن يمارس حريته بمسؤولية فسوف يعيش في أمان واستقرار وسلام ، أما إذا استغل حريته وحولها إلى فوضى فسوف يفقد حريته ويدمر حياته.

الحرية مسؤولية بالدرجة الأولى وإذا أسيء استخدامها من قبل الفرد أو الجماعة كما يفعل هذه الأيام سواق التاكسي واللواج تتحول إلى فوضى عارمة تضيع فيها المقاييس وتغيب عنها الضوابط فتكون حجة على من يمارسها بأساليب خاطئة وليست حجة له …


آخر الأخبار


nos sponsors