آخر الأخبار

الرأي الآخر

عُصاب الدينارين :….عبد اللّطيف الهذيلي

17:15

 لم يُجانب فرويد الصواب حين نعت حضارتنا المعاصرة بالحضارة العُصابيّة الكأداء ،  فها هو العُصاب يُلامس منّا الشرايين و الأحشاء ، و نحن نغْرق في اليومي بمفعول تسونامي الغلاء ، ووضعيات الغشّ في البيع و الشراء ، و نحن نُكابد همّ الوطن و همّ مستقبل الأبناء ، بعد أن ضاق نطاق الأسرة و تحوّل الأهل إلى غرباء ، وبعد أن حوّلت السياسة عديد الأصدقاء إلى أعداء ، و لا سند لنا في غُربتنا غير جراية عرجاء ، بكماء ، صمّاء ، ملساء ، رمداء ، شمطاء ، عمشاء ، عوراء ، بيضاء ، سوداء ، منها الأمل و فيها الرجاء ، هي الداء و هي الدواء …                                                                                                                        من أين لنا أن نهدأ و العُصاب ينهشنا يوميّا في الصباح و المساء ، بعد الزوال و قبل المغرب و بعد العشاء ، يتسلّل إلينا من مطبّات الطريق الخرقاء ، أو من التهوّر في السياقة و تجاوز كلّ الخطوط الحمراء ، أو من برامج إذاعيّة أدمنت الإستجداء ، و برامج تلفزيّة تنشر قلّة الحياء ،أو من عراك السياسيّين و عراكُهم سبب البلاء ؟…                         سوف لا أتحدّث عن عُصاب يأتينا من منظومة ” الكنام ” الغرّاء ،  لا أتحدّث عن تضخّم فواتير الماء و الكهرباء ، و لا عن ” البراكاجات ” و تفشّي الجريمة النكراء ، و لا عن عالم إفتراضي مشحون بالنميمة و الرياء ، و لا عن سكّير عربيد تحوّل إلى تقيّ ضالع في الإفتاء ، و لا عمّن يُواجه العدوّ الصهيوني بالدعاء ، و يعتبر أنّ المرض و الفقر و الإستعمار إبتلاء ، و لا عمّن عاد إلى منزله فوجده سليما فتنفّس الصعداء ، و لا عن أولئك الذين إنتخبهم الشعب فإعتراهم الغرورو الكبرياء ، فأكثروا من قصفنا بتصريحات كلّها هراء و إستعلاء ، و إنبروا بلا خجل أو إستحياء ، يُدنّسون التاريخ و يلعنون خيرة الزعماء ، يُهاجمون النقابيين من الشرفاء ، و يزرعون الفتنة بلا وجل أو حياء ، و قد حوّلوا لصوص التعويضات و ناهبيّ قوت الشعب إلى شرفاء ، أتقياء ،أنقياء ، أبرياء ، إن نقدتهم أمطروك سبّا و شتما و إعتبروك سبب البلاء ، و إن سكت عنهم فأنت في ” حالة وعي ” و لحظة وفاء ، و القول ما قالوه و لا عزاء …                                            يُضاف إلى كلّ هذه الوضعيّات العُصابيّة النكراء ، قطعة نقدية بدينارين جاءت بها حكومة التعساء ، قطعة لا يقدر على تمييزها إلاّ النبهاء ، إن حصلت عند أحدهم سارع بالتخلّص منها و كأنّها وباء ،هذا يرميها إلى ذاك و الكلّ منها مستاء ، قصّتي مع الديناريين طويلة بحجم قصيدة رثاء ، لا تُجيد نظمها إلاّ الخنساء ، وهذه حادثة أذكرها بكلّ إستياء : أحرص عادة على ركْن سيّارتي بعيدا عن الرقباء ، من حارسيّ السيّارات الأكارم الفضلاء ، كذا فعلتُ ذات مرّة ، و ما كلّ مرّة تسلم الجرّة ، ما أن ركنتها حتّى برز لي شابّ مفتول العضلات ، و قد وشّح وجهه بآثار طعنات ، و زيّن ذراعيه بالوشام و العلامات ، هذا المارد يا سادتي :عريض الكتفين ، مُعوجّ الساقين ، جاحظ العينين ، طوله يناهز المترين إلاّ دقيقتين ، يتأبّط عصا و يرشف سيجارة ، جاءني مُسْرعا يطلب معلوم حراسة السيّارة ، و هو في حالة تأهّب و إستنفار ، نظراته تُشعل كانونا و تُوقد في الهشيم النّار ، سلّمته مسْرعا الدينار ، من باب الإضطرار لا الإختيار ، و لم أتفطّن أنّني سلّمته قطعة بدينارين ، إلاّ بعد زهاء الساعتين ، لمّا عدت إلى منزلي بطريق العين .                                                                     عُدْتُ مهزوما مكْسور الوجدان ، بعْضي يأكل بعضي و العُصاب ألوان ، الحسرة عندي هي العنوان ، و لا حيلة لي غير الصبر و السلوان ، و ” الشعب يريد ” الأمان .                 



nos sponsors