آخر الأخبار

ثقافة و اعلام

قراءة في البرنامج الإذاعي ”بلاد العربي” للمنتج علي المرزوقي …بقلم رضا القلال

10:00

لو كان هذا البرنامج مسجّلا في الأرشيف بالكامل منذ حلقته الأولى سنة 2016 لكان مادة خصبة للبحث في علاقة الإعلام بالتراث، وكيف يغيّر الإعلام نظرة الناس إلى موروثهم الثقافي المادي واللامادي. إن تجربة هذا البرنامج الذي تبثّه إذاعة صفاقس منذ 3 سنوات كل يوم ثلاثاء من 10 إلى 12 صباحا اختزل المدينة بمعالمها وحرفييها وذاكرة سكّانها، كما أنه فتح أسرار المدينة أمام المستمع، وأزاح بالخصوص الملل من ”الدرس التاريخي” الذي تمكّن من كل المتعلمين في الابتدائي والثانوي إلى حد الكره، ولكن هذا البرنامج الإذاعي أحدث جاذبية إلى هذه المادة.
أنا من رأيي أن الإذاعة – من خلال هذا البرنامج للمنتج علي المرزوقي- أسست لرؤية جديدة في تعامل الإعلام مع التراث، رؤية طالما خدمت التراث والتاريخ ونشرت المعرفة ويسّرت الوعي ليس فقط بأوجاع المدينة وآلامها وبالأحزان التي تطويها في قلبها، إنما أيضا بالحديث عن رجالاتها ومعالمها وأحداث صمودها وملحمة مقاوماتها ضد الغزاة منذ تأسيس بلاد العربي في منتصف القرن التاسع للميلاد….
برنامج رائد في التعاطي مع التراث والتاريخ
لقد مدّ هذا البرنامج جناحيه من استديو إذاعي إلى مخزون مثير للإعجاب، عبر على سبيل المثال تنظيم معارض ”للصور العائلية القديمة” و”للمقتنيات القديمة” وإعداد عرض قادم طريف ومهم تاريخيا يهتم ”برسائل تاريخية” بين العائلات الصفاقسية ووجوه أدبية مرموقة في تونس على غرار المراسلات بين الصحفي الفذ محمود خروف والشاعر العبقري أبي القاسم الشابي، أو المراسلات بين أحمد المعزون أثناء إدارته للشركة العمالية للطباعة والنشر والمؤرخ التونسي الكبير حسن حسني عبد الوهاب. وهو ما يدلّل على إبداعية الفكرة التي نبتت في برمجة الإذاعة وأضاف إليها المنتج الشاعر علي المرزوقي والفريق المرافق له في الانتاج والتقنية الكثير، منها أساسا التأكيد على حاجتنا الماسة لتفحّص ميراث الماضي، وإيجاد الاساليب التي يستسيغ بها المستمع ”حلاوة” التاريخ، وتجديده.
إزاء هذا البرنامج الذي تشرّفت بالإنتاج فيه ومتابعته بالاستماع والتقييم نجد أبعادا أخرى تخدم آثار الماضي وصفحات التاريخ عبر احتضان الجمعيات المدنية التي تنحاز إلى المدينة العتيقة، وتعمل على إحيائها وإعادة ديناميكيتها والمحافظة على كنوزها من المعالم سواء كانت دينية أو مهنية او بيوتا لعائلات عريقة. وفعلا تمكّن البرنامج/ الباث رويدا رويدا من شدّ المتلقّي/ المستمع، وامتلك البرنامج إيقاعا أسبوعيا يمزج بين الإذاعة والبلاد العربي ماضيا وحاضرا ومستقبلا. وهذا هو العمل الإذاعي المبدع بأحد معانيه، لأنه يرسل خطابا لاستحضار التراث وإعادة إبداعه. ثم لأن البرنامج تعاطى بفاعلية مع التاريخ من أجل تجميل صورة البلاد العربي في الذهنية الجمعيّة، وأعاد لها الحياة – بقدر ما- في أذهان الشباب الأمر الذي أكسب – بلا شك – إذاعة صفاقس بهذا البرنامج أهمية كبيرة لأنها أخذت المستمع أسبوعيا في رحلة ممتعة على مدى ساعتين مساهمة بذلك في تغذية العقل وتعميق الثقافة التراثية وحفظ التاريخ وفتح عالم جديد على المستمع من الأفكار والكنوز والمشاعر والذكريات.
يقيت بلدية صفاقس والدائرة البلدية ببلاد العربي وجمعية صيانة المدينة العتيقة …ودورها وواجباتها إزاء المدينة العتيقة فهذا موضوع آخر.
رضا القلال



nos sponsors