آخر الأخبار

نبض المدينة

صفاقس: عن أيّ تعقيم تتحدّثون؟

15:00

في أيّامنا البائسة هذه ، تابعت عينيّا أولياء المرضى المقيمين بأحد أقسام المستشفى الجامعي وهم ينظّفون أروقة القسم و دورات مياهه العكرة و المقرفة ، و قد إصطحبوا أدوات التنظيف و مستلزماته من ديارهم ، حرصا على سلامة أقربائهم ، في حركة تطوّعية قيل إنها تتكرّر بإستمرار ، كان ذلك تحت أنظار عاملة الجناح ، التي إنشغلت إهتماما و إنهماما و إغتماما ، بتدوينات فيسبوكيّة ، و قد بدت في أحسن حلّة و مظهر ، لا شيء يوحي بأنها عاملة بالقسم ، عدى علامة زرقاء وشّحت ميدعتها البيضاء ، علامة يستدعي رصدها نظرا ثاقبا أونظارات سميكة … غير أنّ مكالمة هاتفيّة خاصّة شغلتها عن الإستغراق في عالمها الإفتراضي، فإنبرت تتحدّث ذات اليمين و ذات الشمال بصوت مسموع و بلغة لا يفقه طلاسمها إلاّ مدبلج المسلسلات التركية في إحدى قنواتنا التلفزية ، و لكنّني إستخلصت أنّ أحد معارفها أو أقاربها طلب منها خدمة صحيّة بأحد الأقسام الإستشفائيّة ، قد يتعلّق الأمر بمراجعة موعد طبّي أو بالبحث عن دواء ، تموّله الدولة و يحتكره مصّاصو الدماء …غادرت على عجل و هي سيّدة نفسها ، تظهر بمظهر العارف بمسالك المستشفى و القادر على تذليل الصعاب و قضاء الشؤون ، بحكم ما كوّنته من شبكة علاقات … الطريف في الأمر و الملفت للإنتباه حقّا ، أنّ ذات العاملة بحضورها الأنثوي المبهر و بميدعتها الملائكيّة البيضاء ، وجدتها لاحقا أمام مدخل المستشفى و واجهته الرسميّة حيث تمترست منصّات ” الفريب الشعبي ” و قد إلتفّ حولها القوم وعلا ضجيجهم و تدافعهم ، و لك أن ترصد من المشهد معنى هيبة الدولة و حجم ما بلغناه من فوضى و عربدة و سوء ذوق . لاحظتها منهمكة في فرز الثياب المستعملة من البنطلون إلى الجوارب إلى الملابس الداخلية ، تتحسّس البضاعة و تشبعها تقليبا و تدقيقا و تمحيصا لترمي بها كيفما جاء إذا لم تعجبها … ، فحسدتها على راحة بالها و رثيت لحالها و لحال وطن لم تتناسل فيه غير هواجس النهش في جسد الدولة العليل . كنت أتابع الوضع و أنا على وعي تام بما حصل في مجتمعنا الكسيح من تحوّلات كارثيّة تنبئء بالعدميّة و حلول الخراب ، و ترسم حجم الإستهتاربالمسؤوليّة ، في ظلّ غياب الرقيب و صمت المسؤول ، خوفا من ردود الفعل الجماعية و من العصبيّة النقابية التي إستطاعت في يوم من الأيّام أن تطرد مدير و تضغط لعزل وزير، في حكومة مقاومة المفسدين و حماة الدين ، حكومة الهمام تحت راية الحمام .
* عبد اللّطيف الهذيلي *



nos sponsors